محمد هادي معرفة
60
التمهيد في علوم القرآن
« بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ . إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ . . . » الخ ثمّ فسّرها بنهر في الجنة . قال البيهقي : وهذا اللفظ أولى ، حيث لا يتنافى وما عليه أهل التفاسير والمغازي من نزول سورة الكوثر بمكة « 1 » . 2 - نزول جبرائيل : كان الملك الذي ينزل على النبيّ ( صلى اللّه عليه وآله ) بالوحي هو جبرائيل ( عليه السلام ) فكان يلقيه على مسامعه الشريفة ، فتارة يراه ، إمّا في صورته الأصليّة - وهذا حصل مرّتين - أو في صورة دحية بن خليفة . وأخرى لا يراه ، وإنّما ينزل بالوحي على قلبه ( صلى اللّه عليه وآله ) : « نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ » « 2 » . قال تعالى : « وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى » : جبرائيل . مثال قدرته تعالى « ذو مرة » أي ذو عقليّة جبارة « فاستوى » : استقام على صورته الأصليّة . وهذا هو المرّة الأولى في بدء الوحي « وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى » : سدّ ما بين الشرق والغرب « ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى » . فجعل يقترب من النبيّ ( صلى اللّه عليه وآله ) « فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى فَأَوْحى » اللّه بواسطة جبرائيل « إلى عبده » محمد ( صلى اللّه عليه وآله ) « ما أَوْحى . ما كَذَبَ الْفُؤادُ » : فؤاد محمد ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) « ما رأى » فكان قلبه ( صلّى اللّه عليه وآله ) يصدّق بصره فيما يرى أنّه حقّ « أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى . وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى » مرة ثانية في مرتبة أنزل من الأولى « عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى . عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى . إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى . ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى » « 3 » فكان الذي يراه حقيقة واقعة ، ليس وهما ولا خيالا . وقال : « إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ » : جبرئيل « ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ
--> ( 1 ) الدر المنثور : ج 6 ص 401 . ( 2 ) الشعراء : 193 - 194 . ( 3 ) النجم : 3 - 17 .